سياسات الظل
بقلم د.محمد إسماعيل
حين تدار المجتمعات من خلف الستار في كل زمان تظهر اساليب خفية تستخدم للسيطرة على المجتمعات دون مواجهة مباشرة قد تتغير الاسماء والوجوه لكن الجوهر يظل واحدا ادارة الناس من خلف الستار بعيدا عن الشفافية والمصارحة ومن ابرز هذه الاساليب سياسة فرق تسد والعمل في الظلام وتشويه السمعة بالكذب ثلاث ادوات قديمة لكنها ما زالت تمارس بطرق اكثر تعقيدا وخطورة
تبدأ الحكاية بسياسة فرق تسد وهي ليست مجرد خلافات عفوية بين الناس بل صناعة متعمدة للانقسام يتم تضخيم الاختلافات الصغيرة سواء كانت اجتماعية او فكرية او حتى شخصية حتى تتحول الى صراعات تستنزف طاقة المجتمع الهدف الحقيقي ليس الانتصار لفكرة بل اضعاف الجميع حتى يسهل التحكم فيهم فعندما ينشغل الناس بخلافاتهم يغيب الوعي العام وتتراجع القضايا الحقيقية ولا تكتمل هذه المنظومة دون سياسة العمل في الظلام حيث تدار الامور بعيدا عن اعين الناس قرارات مصيرية تتخذ دون نقاش ومعلومات تخفى وحقائق تجزأ او تقدم بشكل مشوه في هذا المناخ لا يجد المواطن ما يستند اليه من وضوح فتنتشر الشائعات ويحل الشك محل الثقة ومع غياب الشفافية يصبح من الصعب محاسبة اي جهة لان الحقيقة نفسها تصبح ضبابية
ثم تأتي الاداة الاخطر تشويه السمعة بالكذب وهي ليست مجرد شائعة عابرة بل منهج قائم على اغتيال معنوي يتم استهداف الاشخاص المؤثرين او اصحاب الرأي عبر نشر الاكاذيب او تحريف مواقفهم بهدف اسقاطهم في اعين الناس وهنا تتحول المعركة من نقاش افكار الى تشويه اشخاص ومن حوار بناء الى حملات هدم هذه السياسة قد تربك البعض لكنها تكشف ضعف من يستخدمها لانه يهرب من المواجهة بالحقيقة
وما يزيد خطورة هذه السياسات اليوم هو تطورها مع وسائل التواصل الحديثة حيث تنتشر المعلومة سواء كانت صحيحة او كاذبة بسرعة هائلة في لحظات يمكن ان تصنع ازمة او تهدم سمعة او يشعل خلاف وهنا يصبح الوعي المجتمعي خط الدفاع الاول لان غياب الوعي يعني الوقوع في الفخ بسهولة ورغم ان هذه الادوات قد تحقق مكاسب سريعة فانها على المدى البعيد تدمر اي اساس للاستقرار فالمجتمع الذي يبنى على الفرقة لا يعرف الوحدة والذي يدار في الظلام يفقد الثقة والذي تنتشر فيه الاكاذيب تضيع فيه الحقيقة وهكذا يدخل في دائرة مغلقة من التراجع والاضطراب وان مواجهة هذه السياسات لا تكون بالشعارات بل بالفعل تبدأ بالتمسك بالحقيقة ورفض الانسياق وراء الشائعات وتعزيز ثقافة الحوار بدلا من الصراع
كما تتطلب شجاعة في كشف الممارسات الخاطئة واصرارا على الشفافية كحق اصيل لكل مجتمع يسعى للتقدم يبقى الرهان الحقيقي على وعي الناس فكلما زاد الوعي تراجعت قدرة هذه السياسات على التأثير وكلما تمسك المجتمع بوحدته سقطت محاولات تفريقه لان النور مهما طال غيابه لا بد ان يعود والحقيقة مهما حوربت لا تموت




0 تعليقات