د. محمد أبو قرون ورسالة غزال الريم للأديب والروائي محي الدين حافظ
قطر 🇶🇦
في نصك «غزال الريم» نحن بإزاء قصة قصيرة تتخفف من السرد التقليدي لتتلبّس روح القصيدة، وتستعير من الرمز أجنحته ومن المفارقة حدّها الفاصل بين الصياد والفريسة. لقد شيّدت مشهداً مكثفاً يقوم على ثنائية القتل والتحرر، القيد والانعتاق، الكبرياء والرجاء، حتى غدا النص أقرب إلى مرآة أخلاقية يرى فيها البطل ذاته عارية من مهنته، ومجردة من يقينه القديم.
الصياد هنا لم يكن مجرد شخصية؛ إنه تمثيل لوعي مأزوم، لذات اعتادت السيطرة حتى صارت مهنتها القتل، فإذا بها تُبتلى بنظرة. تلك العينان اللتان وصفتَهما بصلابة جبل الثلج، أربعة أخماسه في الماء، تحيلان إلى عمق مخبوء يتجاوز السطح المرئي. هذا الاشتغال على الصورة يمنح النص بعداً سيكولوجياً؛ فالغزالة لم تَعُد موضوع صيد، بل كائن يحمل طوقاً ذهبياً، قيداً لامعاً يشي بأن العبودية قد تتخفى في هيئة زينة، وأن الانكسار قد يُزيَّن حتى يُستساغ.
ما يلفت في بنيتك السردية أنك نقلت مركز القوة من السلاح إلى النظرة. الرصاصة المؤجلة هي ذروة التوتر، لكنها أيضاً لحظة انكشاف أخلاقي؛ إذ يتحول القاتل إلى متردد، والمتردد إلى محرِّر، ثم إلى أسير. هنا تبلغ المفارقة ذروتها حين يرتدي الصياد الطوق الذهبي. هذه الحركة الرمزية البليغة تعيد ترتيب المعادلة: الحرية ليست في فك القيد عن الآخر فحسب، بل في التحرر من هوية القاتل ذاتها.
على مستوى اللغة، اتسم النص بصفاء تعبيري، وجمل قصيرة متلاحقة تمنح الإيقاع توتراً مناسباً لطبيعة المشهد. غير أن بعض المواضع كان يمكن أن تُحكم أكثر من حيث الاقتصاد اللغوي، فالتكثيف حين يبلغ مداه يغدو أكثر إشعاعاً وأبقى أثراً. ومع ذلك فإن التماهي بين الشعر والسرد منح العمل نكهته الخاصة، وجعله أقرب إلى “قصة-قصيدة” تنتمي إلى تيار الكتابة الهجينة الذي يتنامى في المشهد العربي المعاصر.
في أفق الثقافة العربية الميتافيرسية، حيث تتداخل الهويات وتُعاد صياغة الرموز في فضاءات افتراضية، يمكن قراءة «الطوق الذهبي» بوصفه استعارة للقيود الرقمية الجديدة؛ قيود الشهرة، والصورة، والسرديات المفبركة. والغزالة قد تكون البراءة الأولى، أو الحقيقة، أو الوطن، أو الأنثى، أو الضمير الجمعي. هذا الانفتاح التأويلي يمنح النص قابلية للبقاء في فضاء التأويل، وهي سمة من سمات الأعمال التي تتجاوز لحظتها.
لقد أحسنت إذ لم تُجب عن السؤال الختامي: «فهل تعود غزال الريم؟» لأن القيمة الجمالية تكمن في إبقاء القارئ داخل القيد ذاته، متسائلاً عمّن يملك مفاتيح الطوق. النهاية المفتوحة هنا ليست نقصاً، بل دعوة لاستكمال المعنى.
أحييك على هذا العمل الذي يزاوج بين الرمز الأخلاقي والبعد النفسي، ويؤسس لحوار داخلي عميق بين الذات وظلها. إنه نص يعيد مساءلة مفهوم القوة، ويقترح أن الانكسار قد يكون طريق الخلاص، وأن القيد قد يتحول من عنق الغزالة إلى عنق الصياد.
#غزال_الريم
#النقد_الأدبي
#السرد_الرمزي
#القصة_القصيرة
#الأدب_العربي_المعاصر
#الميتافيرس_الثقافي
د. محمد أبوقرون
الكاتب والناقد

0 تعليقات