مرفت صابر و قراءة في مقال اللواء أشرف حماد
المقال الرابع
تحياتي لفنان التاريخ وراوي خباياه ولنكمل مسيرتنا مع سلسلة المقالات عن خطوات التجهيز لحرب أكتوبر المجيدة 1973م حقاً لا أنكر إعجابي الشديد بهذه السلسلة المميزة فهي بالنسبة لي مثل الربيع المزهر بكل جماله ونكتفي بهذا القدر ونعود للمقال الذي هو بمثابة وثيقة تاريخية تؤكد أن حرب أكتوبر تجاوزت كونها مجرد نصر عسكري تقليدي لتشكل تجسيداً حياً لصراع الإرادات وفلسفة الوجود وكيف يمكن للعقل البشري أن يفكك أعتى المعضلات المادية
فبدأ الكاتب المبدع المقال بآية قرآنية من سورة الحشر التي نزلت في يهود بني النضير حين حاصرهم النبي ﷺ في حصونهم بعد نقضهم العهد وكانوا يعتمدون على حصونهم الحصينة ووعد المنافقين لهم بالنصر والمؤازرة لكن المنافقين تخلوا عنهم وقت الشدة
وهذا يقول لنا بأن العبرة ليست بالكثرة العددية الظاهرة ولا بالتحصينات المادية المنيعة بل بالوحدة الحقيقية للقلوب واجتماعها على الحق فمتى تفرقت القلوب وغاب الإيمان انهار البنيان مهما بدا منيعاً وقوياً
ثم انتقل الكاتب لكيفية صناعة الشلل الواعي لدى العدو في تجهيزات حرب أكتوبر والتي قام عليها المشهد العسكري في المقال وهي فلسفة إخفاء الشيء بإظهاره فبدأت بالخداع الجوي والنفسي
الخداع الجوي حيث نفذت القوات الجوية مئات الطلعات الوهمية المستمرة لتشبع رادارات العدو بإنذارات كاذبة مما جعل أجهزة الإنذار لديه تصاب بحالة من الاعتياد القاتل وفقدان الثقة المطلقة في مؤشراتها
والخداع النفسي استغلت القيادة الطبيعة النفسية والمادية للعدو القائمة على الحرص الزائد واستهلاك الوقود حتى بات يتجاهل التحركات المصرية تماماً لاعتقادها بأنها مجرد روتين وهمي
ثم نقلنا الكاتب المبدع لمشهد درامي آخر في قلب الحدث بينما يرينا لعبة التناقض الظاهري فبينما كان الجنود يلعبون الكرة وينشرون الغسيل ويستحمون في القناة مظهر الاسترخاء التام كانت البنية التحتية للدولة ومؤسساتها تتحرك كخلايا نحل في أقصى درجات الاستنفار
وهذا التناقض أصاب الاستخبارات الإسرائيلية بحالة من العمى المعرفي فالعدو كان يرى كل شيء بحواسه لكنه عجز عن فهم دلالات ما يرى لأنه بنى تحليله على صورة ذهنية جامدة بأن العربي لا يستطيع أو لا يجرؤ
وهنا يكمن الانتصار الأعظم عندما يفقد الخصم القدرة على تأويل الواقع
ثم انتقل الكاتب إلى المعضلة الكبرى خط بارليف ذلك الصنم التحصيني الذي كان يمثل حاجزاً مادياً ونفسياً عظيماً اعتقد صانعوه أنه يمتلك مناعة مطلقة تصل حد الحاجة إلى قنبلة نووية لهدمه ثم جاء حل المعضلة على يد اللواء باقي زكي يوسف الذي عمل بالقاعدة القائلة
أعقد المشكلات لها أبسط الحلول، بشرط الخروج من صندوق المألوف
وقد قام باستدعاء تجربة مدفوعة بالمياه مدافع المياه ذات الضغط العالي من بيئة مدنية بحتة بناء السد العالي في أسوان وتوظيفها عسكرياً مما يوضح كيف أن الخبرة الإنسانية متصلة وأن الطبيعة الرمال والمياه يمكن توظيفها ضد من تحصن بها كما أن استيراد بعض أجزاء المدافع من ألمانيا تحت غطاء وزارة الزراعة يعكس دقة التأمين الإداري والاستخباراتي للعملية
ويبرز المقال كيف تكاتفت جميع أفرع القوات المسلحة لتأمين نجاح العبور
فقد نجحت القوات البحرية في فرض حصار محكم عبر إغلاق باب المندب السيطرة على البحرين الأبيض والأحمر وشل الملاحة الإسرائيلية تماماً بما في ذلك إغراق ناقلة البترول فضلاً عن قصف آبار رأس سدر
وقامت قوات الصاعقة والضفادع البشرية بتحييد خطر أنابيب النابلم التي كانت ستشعل مياه القناة عبر سد مخارجها تحت سطح الماء وهو إنجاز بطولي مهد الطريق للعبور الآمن
وفي النهاية حدثنا الكاتب المبدع عن تحديد ساعة الصفر السبت السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان
والشفرة اللاسلكية واللغة النوبية
ساعة الصفر والشفرة واللغة تعكس فهماً عميقاً لفلسفة الوعي والزمن فقد اختارت القيادة المصرية لحظة يكون فيها العدو في أعلى درجات الانكفاء على الذات والراحة الروحية والمادية عيد الغفران مما يعني أن المباغتة لم تكن عسكرية فحسب بل كانت صدمة نفسية شلت تماماً قدرتهم على اتخاذ القرار
استدعاء المدد الروحي لشهر رمضان الذي يربط الإنسان بأرضه وقضيته برابط روحي عميق يتجاوز حدود السلاح المادي مانحاً الجندي المصري طاقة تحمل لا تقاس بقوانين الفيزياء العسكرية
استخدام اللغة النوبية كشفرة عسكرية تماماً كاستخدام الهنود الحمر في الحرب العالمية الثانية يحمل بعداً فلسفياً لغوياً عميقاً فاللغة ليست مجرد أداة تواصل بل هي هوية مغلقة إن لم تفك شفرتها الثقافية
اللغة النوبية كلغة محكية وليست مكتوبة مثلت جدار صد ألسني جعل التكنولوجيا الحديثة وأجهزة التنصت العظمى عاجزة تماماً أمام بساطة الكلمة المنطوقة مما يؤكد أن الأصالة البشرية أحياناً تتفوق على أحدث منجزات التكنولوجيا
ختاماً
لقد استطاعت الإرادة المصرية أن تحول نقاط الضعف مثل الحسابات الإسرائيلية الدقيقة لاستهلاك الوقود
و افتراضاتهم المسبقة إلى أدوات ضغط أدت بالعدو إلى حالة من الشلل التام لقد كانت معركة وعي قبل أن تكون معركة رصاص ودارت رحى الحرب والعدو في موقف ضعف وتجرد من السلاح
سبق السيف العذل
وللحديث بقية




0 تعليقات