الأديب السيد فريج صيام رمضان مظهر لوحدة المسلمين


صيام رمضان مظهر لوحدة المسلمين




ووحدانية الخالق


صيام رمضان ليس عبادة فردية معزولة، بل نظام قرآني جامع، يُجسّد وحدة الجماعة المؤمنة كما يُجسّد وحدانية الخالق في انتظام الزمن والكون. إنه عبادة مؤقتة بزمن محدد، لا بأداة محددة.


أولًا: شرط الصيام – شهادة الشهر


يقول الله تعالى:


﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ – البقرة: 185


الآية علّقت التكليف على شهادة الشهر، لا على رؤية الهلال.


دلالة "شهد" في الاستعمال القرآني


الفعل شهد في القرآن يدل على الحضور، والمعايشة، والإدراك اليقيني، لا يقتصر على الإبصار الحسي. فالشهادة تحقق وجودي وزمني، أي إدراك دخول الشهر ووقوع الإنسان فيه.


ويؤكد ذلك الاستثناء الوارد في نفس الآية:


﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾


فالتكليف مرتبط بالحضور الفعلي والقدرة، لا بمجرد رؤية بصرية.


إذن مناط الحكم: إدراك دخول الشهر مع تحقق القدرة على الصيام.


الرؤية البصرية: وسيلة تاريخية لا مناط تشريع


ورد في الحديث: «صوموا لرؤيته»، وهو توجيه ارتبط بالواقع المعرفي في زمن الرسالة؛ حيث كانت الرؤية البصرية الوسيلة المتاحة لإثبات دخول الشهر.


لكن الوسيلة ليست هي العلة، ولا تتحول الأداة إلى أصل تشريعي مستقل عن القرآن.


كما أن قوله تعالى:


﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ – الأنفال: 60


لم يُجمِّد مفهوم القوة في رباط الخيل، بل فتحه على كل تطور علمي يحقق المقصد.


كذلك إثبات الشهر: المقصود هو اليقين بدخول الزمن، لا التمسك بوسيلة زمنية بعينها.


ثانيًا: وحدة الشهر ووحدة الأمة


يقول الله تعالى:


﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ – التوبة: 36


الشهر في القرآن وحدة زمنية كونية ثابتة، لا تتعدد بتعدد الجغرافيا.


اختلاف بدايات رمضان بين الأقطار يفضي إلى تفكك زمني في عبادة جماعية، مع أن الخطاب القرآني موجّه إلى جماعة مؤمنة واحدة.


إذا كان الحساب الفلكي اليوم قادرًا على تحديد لحظة الاقتران وبداية الشهر بدقة يقينية، فإنه يحقق:


وحدة زمنية عالمية


إنهاء النزاع المتكرر


ضبط العبادة على أساس علمي قطعي


والعلم — في جوهره — من سنن الله في الكون.


ثالثًا: الصيام ووحدانية الخالق


الصيام عبادة مرتبطة بالزمن، والزمن نظام كوني محكوم بقوانين دقيقة.


الله هو خالق الزمن ومدبره، وقد جعل للإنسان قدرة على إدراك دوراته وانتظامه.


فالانتقال من وسيلة إثبات إلى أخرى أدق لا يغير حكم الله، بل يحقق مقصده على وجه أضبط.


وحدانية الخالق تظهر في:


وحدة النظام الكوني


انتظام الحركة الفلكية


إمكانية ضبط الزمن حسابيًا


فإذا توحد الزمن، توحدت العبادة، واجتمعت الأمة.


الخلاصة المنهجية


القرآن علّق الصيام على شهادة الشهر لا على الرؤية البصرية.


الرؤية كانت وسيلة زمنية مناسبة لعصرها، وليست نصًا تعبديًا مقصودًا لذاته.


الحساب الفلكي يحقق معنى الشهادة الزمني بيقين أعلى.


وحدة الشهر تعني وحدة الأمة.


الصيام في جوهره نظام كوني يعبّر عن وحدانية الخالق في خلق الزمن.


باختصار:


الصيام يتحقق بإدراك دخول الشهر مع القدرة على الأداء، لا بالتقيد بأداة إثبات تاريخية.


وأي وسيلة تحقق اليقين بدخول الزمن وتوحد المسلمين فهي أقرب إلى روح النص وأوفق بحكمة التشريع.


فلنغلق باب الجدل الأداتي، ولنفتح باب المقصد القرآني:


وحدة الزمن، وحدة الأمة، ووحدانية الخالق.


الأديب السيد فريج

إرسال تعليق

0 تعليقات