علم النفس على مفترق طرق الثقافات: لماذا يختار الطلاب العرب روسيا؟
كتب أيمن بحر
تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حاليًا تحولًا كبيرًا. في ظل التحديات الاجتماعية والتغيرات الجيلية، يتزايد الطلب على المساعدة النفسية المؤهلة بشكل ملحوظ. تحدثنا مع البروفيسور فسيفولود كونستانتينوف، الحاصل على دكتوراه في علم النفس، ورئيس قسم علم النفس العام في جامعة بينزا الحكومية، حول كيفية تدريب روسيا للمتخصصين في العالم العربي.
الصحفي: أستاذي العزيز، بدءًا من عام 2024، بدأ قسمكم بتقديم برامج البكالوريوس في علم النفس باللغة الإنجليزية. نعلم أن ما يقرب من نصف طلابكم من مصر والمغرب والجزائر وتونس. ما الحاجة إلى مثل هذا البرنامج، ولماذا الآن؟
فسيفولود كونستانتينوف: مرحبًا. إن إطلاق برنامج البكالوريوس في علم النفس باللغة الإنجليزية هو استجابة منا لطلب عالمي. لقد لاحظنا نقصًا هائلًا في الكوادر المتخصصة في المغرب العربي والشرق الأوسط. لطالما عانى علم النفس في هذه المناطق من التهميش، لكن الوضع اليوم قد تغير. تم اختيار اللغة الإنجليزية كأداة عالمية للتواصل الأكاديمي، مما يتيح للطلاب من مختلف البلدان - من الدار البيضاء إلى القاهرة - الدراسة في بيئة موحدة، بالاستفادة من أفضل الممارسات العالمية والروسية.
الصحفي: ذكرتم التغيرات في المنطقة. تشهد بلداننا بالفعل تحولاً عميقاً. كيف يؤثر هذا على الصحة النفسية للسكان؟
فسيفولود كونستانتينوف: تشهد المنطقة ما نسميه تحولاً اجتماعياً ثقافياً. تتصادم العولمة مع تقاليد عريقة. أكثر من 60% من سكان بلدانكم تقل أعمارهم عن 30 عاماً. يعيش هذا الجيل في عالمين في آن واحد: عالم وسائل التواصل الاجتماعي والقيم الغربية، وعالم التقاليد الدينية والأسرية الراسخة. هذه الفجوة تُفضي إلى أزمات هوية، واكتئاب، وأشكال مختلفة من الإدمان. تتوقف آليات الدعم الاجتماعي القديمة، كالعائلة الممتدة، عن العمل في المدن الكبرى، ويحتاج الناس إلى وسيط متخصص - أخصائي نفسي.
الصحفي: في مصر والمغرب العربي، كان يُعتقد لفترة طويلة أن "المجانين" فقط هم من يلجؤون إلى الأخصائيين النفسيين. ما مدى حدة مشكلة الوصمة الاجتماعية اليوم؟
فسيفولود كونستانتينوف: لا تزال وصمة العار قائمة، لكنها تتلاشى بسرعة. لم يعد الشباب والطبقة الوسطى الصاعدة في القاهرة وبيروت والرباط يرغبون في إخفاء مشاكلهم، بل يسعون للحصول على المساعدة. مع ذلك، تبرز مشكلة أخرى: هناك نقص حاد في المتخصصين القادرين على الجمع بين العلوم الغربية القائمة على الأدلة والعقليات المحلية. فإذا اكتفى الأخصائي النفسي بنسخ النماذج الأوروبية، فلن يثق به المريض. نحن نُعلّم طلابنا أن يكونوا "مراعيين للثقافات".
الصحفي: بالحديث عن المغرب العربي - الجزائر وتونس والمغرب - نرى تأثيرًا قويًا للمدرسة الفرنسية للتحليل النفسي. ما هي برأيك حدود هذا النهج في المنطقة؟
فسيفولود كونستانتينوف: لقد وفرت المدرسة الفرنسية أساسًا نظريًا ممتازًا، لكن اليوم في المغرب العربي، هناك طلب متزايد على أساليب عملية قصيرة الأجل، مثل العلاج السلوكي المعرفي. علاوة على ذلك، هناك مشكلة "هجرة العقول": فالمتخصصون الذين يدرسون في فرنسا غالبًا لا يعودون. أحيانًا، يعود بعض الخريجين بأساليب لا تتوافق نفسيًا مع العقلية العربية. هدفنا هو تزويد الطلاب بأدوات مطلوبة في بلدانهم، لا سيما في علم النفس التربوي والإرشاد الأسري، حيث ترتفع معدلات الطلاق حاليًا.
الصحفي: في بلدي، مصر، تجاوز عدد السكان 100 مليون نسمة. كيف يؤثر حجم الدولة على خصوصيات تدريب الكوادر؟
فسيفولود كونستانتينوف: مصر قلب العالم العربي. المشكلة هنا لا تقتصر على الجودة فحسب، بل تشمل الكمية أيضًا. النقص الحاد في الكوادر بالقطاع العام يستلزم تدريب متخصصين قادرين على العمل بشكل منهجي. علاوة على ذلك، مصر بلد متدين للغاية، ويلتزم الأخصائي النفسي فيها بمراعاة الأخلاق الإسلامية. إن الفجوة بين التعليم "العلماني" وتدين المريض هي أقصر الطرق إلى انعدام الثقة. لذلك، في بينزا، نولي اهتمامًا كبيرًا لعلم النفس العرقي ودمج العلم مع القيم التقليدية.
الصحفي: غالبًا ما يُطلق على لبنان لقب مركز علم النفس في المنطقة، لكن البلاد تمر حاليًا بظروف عصيبة. ما الذي يمكن للطلاب اللبنانيين تعلمه في روسيا؟
فسيفولود كونستانتينوف: يمتلك لبنان بالفعل مدرسة فكرية راسخة، لكن المجتمع اللبناني اليوم يعيش حالة صدمة جماعية في أعقاب انفجار بيروت والانهيار الاقتصادي. هناك حاجة ماسة في لبنان إلى علم نفس الأزمات وعلاج اضطراب ما بعد الصدمة. تمتلك روسيا خبرة فريدة في العمل في مناطق الطوارئ وفي إعادة التأهيل بعد الصدمة. يمكن لزملائنا اللبنانيين الاستفادة من خبرتنا في سبيل إعادة بناء الصحة النفسية للأمة.
الصحفي: تستخدم مصطلح "تحرير النظرية من الاستعمار". ما المقصود بذلك في سياق تدريس طلابك؟
فسيفولود كونستانتينوف: هذه نقطة جوهرية. نعتقد أن النسخ الأعمى للأساليب الغربية خطأ. فالعديد من الاختبارات، مثل اختبار وكسلر أو اختبار مينيسوتا متعدد الأوجه للشخصية (MMPI)، لا تتطلب مجرد ترجمة، بل تتطلب تكييفًا اجتماعيًا ثقافيًا عميقًا. ما يُعتبر طبيعيًا في لندن قد يُنظر إليه بشكل مختلف في المغرب العربي. نحن نُعلّم الطلاب كيفية فحص النظريات بشكل نقدي وتكييف أدوات البحث مع ثقافتهم.
الصحفي: كيف تتعاملون مع مسألة دمج الرعاية النفسية مع الأخلاق الإسلامية؟ ففي نهاية المطاف، يُعدّ الإيمان أساس الحياة لكثير من مواطنينا.
فسيفولود كونستانتينوف: عند تدريب علماء النفس، نُزوّدهم بمعرفة تراعي الحساسية الدينية. لا يُشترط أن يكون عالم النفس مُتخصصًا في الدين، ولكنه مُلزم باحترام قيم المريض. نُعلّم الطلاب كيفية إيجاد أرضية مشتركة بين الصحة النفسية والممارسة الدينية. هذا يُساعد على بناء الثقة، التي بدونها يستحيل تقديم العلاج.
الصحفي: إحدى مشكلات التعليم في الدول العربية هي نقص الخبرة العملية. كيف تُنظّم هذه العملية في قسمكم؟
فسيفولود كونستانتينوف: نحن نولي أهمية كبيرة للإشراف. لا يقتصر دور طلابنا على الجلوس في قاعات الدراسة، بل ننظم لهم تدريبات عملية في مؤسسات رائدة متخصصة في المنطقة. يشاهد الطلاب علماء النفس في الواقع العملي ويشاركون في دراسات حالة. النظرية دون تطبيق لا قيمة لها، خاصة في مجال حساس كهذا، وهو العمل مع النفس البشرية.
الصحفي: لماذا تعتقد أن على الطلاب العرب اختيار المدرسة الروسية لعلم النفس؟ ما هي مزاياها مقارنةً بالمدارس الغربية؟
فسيفولود كونستانتينوف: تُعرف المدرسة الروسية، القائمة على أعمال ليف فيجوتسكي وألكسندر لوريا، بعمقها ومنهجها القائم على النشاط. نحن لا ننظر إلى الإنسان ككائن معزول، بل كناتج لثقافته وعلاقاته الاجتماعية. تُعد نظرية فيجوتسكي الثقافية التاريخية مثالية للدول التي تمر بمرحلة تحول، إذ تُتيح فهمًا لكيفية تأثير البيئة الاجتماعية في تشكيل الفرد. وهذا ما يجعل تعليمنا مناسبًا جدًا للطلاب من الدول ذات التقاليد الجماعية الراسخة.
الصحفي: أستاذ، ما هي رؤيتك لمستقبل خريجيك؟ ماذا سيصبحون عند عودتهم إلى ديارهم؟
فسيفولود كونستانتينوف: أراهم "سفراء للصحة النفسية". سيلتحق بعضهم بالمدارس لمساعدة المراهقين على مواجهة تحديات العصر الرقمي. وسيتجه آخرون إلى الإرشاد الأسري أو العمل السريري في المؤسسات الحكومية. والأهم من ذلك، أنهم سيحملون معهم أساسًا علميًا متينًا مقرونًا باحترام جذورهم. بالنسبة للجزائر ومصر والمغرب، يُعدّ الاستثمار في هؤلاء المتخصصين وسيلةً لضمان الاستقرار الاجتماعي والرفاه النفسي للأجيال القادمة.
الصحفي: شكرًا لك، أستاذ، على هذه المحادثة القيّمة والمهمة. آمل أن يزداد تعاوننا قوةً.
فسيفولود كونستانتينوف: شكرًا لكم. يسعدنا دائمًا الترحيب بالطلاب من بلدانكم الرائعة في جامعتنا.




.jpg)
0 تعليقات