فاطمة بنت أسد.. الأم الثانية لرسول الله ﷺ
بقلم: ناصر السلاموني 🇪🇬
لقد أوصى القرآن الكريم برعاية اليتيم، وجعل إكرامه سبباً لرحمة الله ورضوانه، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]، وكان نبينا محمد ﷺ قد ذاق مرارة اليُتم بنفسه، ففقد أباه وأمّه صغيراً، فشاء الله أن يحيطَه برعاية قلوب رحيمة. ومن أبرز تلك القلوب قلب امرأة عظيمة احتضنته وربّته، حتى قال لها: «كنتِ أمي بعد أمي»؛ إنها فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، الأم الثانية لرسول الله ﷺ.
هي امرأة عظيمة خلع نبي الأمة ﷺ قميصه ليكفّنها به، ولما أُنزِلت إلى قبرها نزل معها يحفر ويوسّع التراب بيده، واضطجع فيه قبلها ليخفّف عنها ضغطة القبر، ثم خرج ودموعه تسيل حُبًا ووفاءً لها. إنها فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشيَّة الهاشميَّة، زوجة أبي طالب عمّ النبي ﷺ، وأم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
أمّ النبي بعد أمّه
نشأ رسول الله ﷺ في كنف جدّه عبدالمطلب، فلما تُوفّي وهو في الثامنة من عمره، انتقل إلى بيت عمه أبي طالب، وهناك احتضنته هذه السيدة الكريمة، فكانت له أمًا رؤوماً عطوفاً. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه:
> لمّا ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال:
«رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي؛ تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسكِ طيبًا وتطعميني، وتريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة».
كانت رضي الله عنها تفضّله على أبنائها في الطعام واللباس، وتغسله وتطيّبه وتعتني به كما تفعل الأمهات بأبنائهن، حتى لم يكن يناديها إلا بـ "أمي".
حبّ ووفاء متبادل
عندما أوصى أبو طالب زوجته قائلاً: "هذا ابن أخي، وهو أعزّ عندي من نفسي ومالي"، أجابته فاطمة: "توصيني في ولدي محمد؟! وهو أحب إليّ من نفسي وأولادي". فكان النبي ﷺ يجد عندها الحنان الذي فقده بوفاة أمّه آمنة، فبادلها حبًا بحب ووفاءً بوفاء.
ومن شدّة تقديره لها، سمّى ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها باسمها، وخصّها بهدية من حُلّة أهديت إليه، إذ قال: «اجعلوها أخمرة بين الفواطم»، فكان منها خمار لفاطمة بنت أسد.
إسلامها وهجرتها
أسلمت بعد وفاة زوجها أبي طالب، ثم هاجرت مع أبنائها إلى المدينة، وكانت من الراويات للحديث الشريف، إذ روت عن النبي ﷺ ستة وأربعين حديثًا، وكانت امرأة صالحة تبتغي وجه الله تعالى. قال الله عز وجل:
> ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: 57].
رحيلها وموقف النبي ﷺ
في السنة الخامسة من الهجرة، توفيت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، فحزن عليها النبي ﷺ حزنًا شديدًا. روى ابن عباس رضي الله عنهما:
> أن النبي ﷺ خلع قميصه وألبسها إياه، واضطجع في قبرها، وقال:
«إني ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعتُ معها في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر، إنها كانت من أحسن خلق الله صنيعًا بي بعد أبي طالب».
كما دعا لها دعاءً عظيمًا فقال:
«اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، وَلَقِّنْهَا حُجَّتَهَا، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا، بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي، فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».
الخاتمة
رحلت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، لكن ذكراها باقية بما قدّمته لرسول الله ﷺ من حب ورعاية في طفولته، فكانت مثالًا للمرأة الوفية الصالحة، وجزاءها عند الله أن دعا لها نبيه الكريم ﷺ، وألبسها قميصه الشريف، ورجا لها أن تُبعث يوم القيامة كاسية.
قال تعالى:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].

0 تعليقات