الدجال
قصة قصيرة /احمد البنا
أنا هو الذي اختاره الله ليملأ قلوب العالم بالإيمان ، قالها بكل ثقة وطلاقة لسان وهو ينظر إلى وجهي مباشرة ، وكأنه يريد أن يقول لي : هذا ما جئت تسأل عنه ، وما يحيك في نفسك ، وبالفعل أذهلت من شدة ذكائه وفراسته ، حتى لكأنه يكتفي بقراءة النظرات ، يجيب عن الأسئلة قبل أن انطق بها .
ابتسم قائلاً : أجل أنا الدجال كما يحلو للبعض تسميتي ... لأنهم يدركون جيدا حقيقة أنفسهم ويعلمون أن لا طائل لهم في محاورتي من بعد أن افحمتهم بالحجة الدامغة ، وأتيتهم بالبرهان الذي لا شك فيه ولا لبس ،
فتعجبت أكثر من صراحته و ثقته بنفسه .. وأن يتقبل التشكيك فيه إلى أبعد حد ، بصدر رحب ، و لا يبالي أبدا في كل الشتائم واللعن والاهانات في حقه معلقا على ذلك ..
الحق دائما أثقل على النفوس الغارقة في وحل الجهالة ورجس الباطل .
بدر لدىّ أمرا .. كمحاولة أخيرة لأثبت يقيني في الرجل .. وفي تلك الأثناء دخلت إمرأة تحمل في يدها حقيبة جلدية لامعة متوسطة الحجم ، وضعتها أمامه وامسكت بيده وقبلتها وفتحت الحقيبة وعرضت له ما فيها قائلة : ، يا سيدي المبارك هذا كل ما جمعت في حياتي الماضية من ذهب وحلي ، ها أنا أضعه أمامك أتنازل عنه لترى فيه ما ترى ، وتستغفر الله لي كفارة لذنوبي ،
فرد عليها : أن الله غفور رحيم ، إن صدقت التوبة والنوايا .. واستأنف قائلا :
لا بل كل أموال لك .. الفلة ، والأرصدة في البنوك ، والسيارة وكل الثياب وأدوات التبرج والزينة التي تملأ خزاناتك .. عليك أن تتنازلي عن كل شيء حتى الخاتم الذي في يديك ، والموبايل كلها اشياء اكتسبت من الحرام ،
عليك السلام والرحمة .. إن انت قطعت صلتك بماضيك ، عمرا قضيته في معصية الله ، في السينما والتلفزيون والمسرح وسهرات الليل وفتنة الرجال وغوايتهم ،
لن تصبحي مشهورة مرة أخرى ليقبلك الله ،
كانت المرأة ترتعد وهي تستمع إلى كلامه ، والدموع تنهمر من عينيها كالسيل وتهز رأسها مع كل كلمة تخرج من فمه إلى أن انهى حديثه ، ردت بصوت خافت تخنقه العبرات :
نعم .. نعم .. سأتنازل عن كل شيء ليتوب الله عني ، فتقدم نحوها وتبسم بعمق ووضع يده على رأسها يتمتم بكلامات غير مسموعة .. وقال اذهبي يا أمة الله فإن الله قد غفر لك وقبل توبتك ..
إذهبي وانتظري مني رسالة بأقرب وقت إنشاء الله ،
بكل الذي حدث أمامي تأكد لي .. أن هذا الرجل الصالح مبارك بحق ، من الأولياء الصالحين الاخيار .. بعد أن انصرفت المرأة .. نادى على احد معاونيه وأمره أن يأخذ الحقيبة وكل أموال المرأة التي تنازلت عنها ، ليحولها إلى أموال نقدية يوزعها على الفقراء والمحتاجين ، وأعطاه من جيبه مبلغا من المال وقال له : اعطيها هذا المال الحلال لتدبر نفسها وتشتري لها ثياب وطعام حتى أنظر في أمرها ،
والتفت إلينا حوله قائلا : الحمد لله الذي وفقني لهداية امرأة كانت على شفا حفرة من النار ،
خرجت من عنده بعدما أزيل من نفسي كل لبس وشك ، ميقنا بأن هذا التقي النقي الطاهر آية الله وحجته ينظر بنوره ، أرسله الله ليهدي به القلوب والنفوس إلى نور الحق المبين ،
وبعد ثلاثة أيام تحديدا .. كان هو نفس الرجل المؤمن التقي الورع .. ينزل من سيارة فارهة ، مرتديا بدلة عصرية .. و نفس الصورة والملامح والدقن واللحية عدا أن رأسه حاسرا عن أي غمامه ... ممسكا بيد نفس المرأة الجميلة في أوج تبرج وزينه .. حتى تواريا خلف باب المصعد في ارقى فندق من فنادق المدينة ..
فهل ما رأته عيني كان يقينا ؟ أم سوء ظن ..؟

0 تعليقات